ابن قيم الجوزية

296

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

مهديين مطيعين ، ويدل عليه قوله : إنه لا يذل من واليت ، فإنه منصور عزيز غالب بسبب تولّيك له ، وفي هذا تنبيه على أن من حصل له ذلّ في الناس ، فهو بنقصان ما فاته من تولّي اللّه ، وإلا فمع الولاية الكاملة ينتفي الذلّ كله ، ولو سلط عليه بالأذى من في أقطارها ، فهو العزيز غير الذليل . وقوله : وقني شر ما قضيت ، يتضمن أن الشر بقضائه فإنه هو الذي يقي منه . وفي المسند « 1 » وغيره أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل : « يا معاذ واللّه إني لأحبّك فلا تنس أن تقول دبر كلّ صلاة : اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك » . وهذه أفعال اختيارية ، وقد سأل اللّه أن يعينه على فعلها ، وهذا الطلب لا معنى له عند القدرية ، فإنّ الإعانة عندهم الإقدار والتمكين ، وإزاحة الأعذار وسلامة الآلة ، وهذا حاصل للسائل وللكفار أيضا ؛ والإعانة التي سألها أن يجعله ذاكرا شاكرا محسنا لعبادته كما في حديث ابن عباس ، عنه صلى اللّه عليه وسلم في دعائه المشهور : « ربّ أعنّي ولا تعن عليّ ، وانصرني ولا تنصر عليّ ، وامكر لي ولا تمكر عليّ ، واهدني ويسّر الهدى لي ، وانصرني على من بغى عليّ ، رب اجعلني لك شكّارا ، لك ذكّارا ، لك رهّابا ، لك مطواعا ، لك مخبتا ، إليك أوّاها منيبا ، ربّ تقبّل توبتي ، واغسل حوبتي ، وأجب دعوتي ، وثبّت حجّتي ، واهد قلبي ، وسدّد لساني ، واسلل سخيمة صدري » رواه الإمام أحمد في المسند « 2 » ، وفيه أحد وعشرون دليلا ، فتأملها .

--> ( 1 ) أحمد ( 5 / 245 ، 247 ) ، وأخرجه أبو داود ( 1522 ) عن معاذ بن جبل ، وهو صحيح . ( 2 ) أحمد ( 1 / 227 ) وهو صحيح من حديث ابن عباس .